أبو علي سينا
298
القانون في الطب ( طبع بيروت )
أوقات الامتلاء والتخمة ، ويخف عند الخواء وعند قوة استطلاق الطبيعة بالطعام ، ويكون على ترادف من التخم ، فإن كان مع ذلك مخالط المادة صفراوية ، وجد عطشاً ولهيباً ولذعاً واحتراقاً . وإن كان بعد ذلك سوداء ، كثرت شهوته في أكثر الأحوال ، وأحس بطعم حامض ، وتولد منه الفكر والوسواس ، على أن الدلائل البلغمية تكون أغلب ، ومن ذلك أن يفعل الخلط الذي فيه براءته لا بكثرته ، فعلامته أن يعرض الصرع في أوقات الخواء ، ومصادفة المادة فم المعدة خالياً وانقطاع الصرع مع الغذاء الموافق والمحمود ، فإن كان الخلط حاداً من جنس الصفراء ، عرفته بالدلائل التي ذكرناها . وإن كان من المراق ، فعلامته جشاء حامض نفخ وقراقر موجعة بطيئة السكون والتهاب في المراق ، وربما هاج معه وجع بين الكتفين بعد تناول الطعام بيسير لا يسكن إلا عند هضمه ، ثم يعود بعد تناول الطعام . وإذا عرض على الخلاء ، فإنما يعرض مع صلابة ويبطل تلين الطبيعة ، وخاصة إن كان يجد تمدداً في المراق إلى فوق ورعدة ، ويعرض لهؤلاء في الطعام الغير المنهضم لما بيناه من تراجع غذائهم لفساد وانسداج مسالكه ، فمن ذلك ما يكون بخار المراق الفاعل للصرع صفراوياً يعرف ذلك بالالتهاب الحادث ، ومن اللون واختلاط العقل المائل إلى الضجر وإلى التعنت ، ومن ذلك ما يكون بخاره سوداوياً يحدث معه شعبة من المالنخوليا ، وجبن وحديث نفس وخوف لظلمة المادة ، ويعرض منه حب الموت أو بغض له وخوف سائر ما قبل في المالنخوليا . وأما ما كان سببه ومبدؤه من الكبد أو من جميع البدن ، فيدل على اللون والشعر يبوسة الجلد وقحله ، أو رهله وسمنه وهزاله وكثرة تنديه ببخار الدم ، ويدل على النبض والبول وحال الأغذية المتقدمة ، والتدبير السالف ، ويدل عليه على احتباس ما كان يستفرغ من المقعدة والرحم والعرق وغير ذلك ، فإن كان دموياً إلى الاحتراق ، رأيت حمرة لون وموجية عرق وضحكاً عند الوقوع ، وإن كان صفراوياً أو بلغمياً وسوداوياً ، عرفته بعلاماته المذكورة ، وأما ما كان سببه الرحم فيكون لا محالة مع احتباس طمث ، أو مني ، أو رطوبات تنصب إلى الرحم ، ويتقدمه وجع في العانة والاربتين ونواحي الظهر ، وثقل في الرحم . وأما ما كان سببه الطحال ، فيعرف ذلك بأن العلة سوداوية ، ويحس الوجع في جانب الطحال ، ويكون مع نفخة الطحال أو صلابته ، ومع قراقر في جانبه ، ومع مشاركة البدن له في أكثر الأمر . وأما ما كان من مادة سمية تطلع من بعض الأعضاء بواسطة العصب ، فإما أن يكون مبدؤه من خارج ، وعلامة ذلك ظاهرة مثل لسع عقرب أو رتيلاء ، أو زنبور إذا وقع شيء من هذا اللسع على العصب ، وإما أن يكون من داخل فيحس بارتفاع بخار منه إلى الرأس يظلم له البصر ، فيسقط وذلك العضو وإما الرجل وإما اليد وإما الظهر ، وإما العانة ، وإما شيء من الأحشاء كالمعدة أو الرحم . وأما علامة ما يكون من الديدان ، فسيلان اللعاب ، وسقوط الديدان ، وحب القرع .